أحدثت المسلسلات الدرامية السورية التي عرضت خلال شهر رمضان الكثير من النقاشات الحارة لدى العديد من الشرائح الاجتماعية السورية بما تناولته من مواضيع حساسة وجريئة على صعيد المجتمع السوري خاصة والعربي عامة. ومن أمثلة هذه الموضوعات الفساد والعنف والإرهاب والفقر والمخدرات والاعتقال السياسي، حتى قال البعض إن الدراما السورية تخطت الخطوط الحمر وكسرت الكثير من الثوابت التي كانت لسنوات سابقة لا تمس. فمسلسل "غزلان في غابة الذئاب" لرشا شربتجي تناول بشكل مباشر ثنائية الفساد والسلطة والعلاقة بينهما، بينما تناول مسلسل "أسياد المال" ليوسف رزق العلاقات النسائية والخيانة الزوجية والسلطة، أما نجدت أنزور فتناول في مسلسل "المارقون" موضوع الإرهاب والجماعات السلفية وممارساتها في المجتمعات المختلفة، بينما تناول ياسر العظمة في مسلسله "مرايا 2006 " موضوع المعتقلين السياسيين وممارسات أجهزة المخابرات، أما حكم البابا فركز على النقد السياسي في مسلسل "أيام الولدنة" ودور الأجهزة الأمنية في الحياة السياسية.
الاصلاح كل هذا جعل من بعض النقاد يرون في الدراما أداة هامة للإصلاح السياسي و الاجتماعي فما كان يبحث خلف الأبواب والجدران أصبح يطرح بأسمائه الصريحة و الواضحة في المسلسلات الدرامية على الشاشات التلفزيونية مما جعل الناس يتابعون هذه المسلسلات على مدى أكثر من ثلاثين يوما دون ملل.
ولم تفقد غزارة الإنتاج التلفزيوني بعض المسلسلات بريقها.
فقد أنتجت الدراما السورية في رمضان هذا العام أكثر من 45 مسلسلا تلفزيونيا سوّق منها ما يقارب الثلاثين وبتكلفة تجاوزت المليار ونصف المليار ليرة سورية.
ذلك إضافة إلى الأعمال التي تم إنتاجها من قبل جهات خليجية وعربية وشارك فيها السوريون تمثيلا وإخراجا الأمر الذي جعل من الدراما السورية منافسا قويا في العقدين الأخيرين على صعيد الدراما العربية.
لكن هذا الكم الهائل من المسلسلات الذي أنتج في رمضان لم ينل عين الرضا من قبل الممثلة السورية نورمان اسعد التي تقول: "إيجاد كمّ هائل من الأعمال السورية أو العربية بشكل عام وتجميعها بشكل هائل وعرضها في رمضان نقطة سلبية بحق صنّاع الدراما, لأن المشاهد يضيع ولا يعرف ماذا يتابع, الأمر الذي يفقد بعض الأعمال أهميتها".
وتضيف قائلة "إن المطلوب هو فرز حقيقي للأعمال بحيث تطفو الأعمال الجيدة على السطح، لكن الأسعار التي تطرح على المنتجين تكون أعلى في رمضان مما يدفعهم لانجاز الكثير من الأعمال".
رأي المشاهد
ورغم ذلك فان المشاهدين كانوا يخصصون من وقتهم الزمن الطويل لمتابعة العديد من المسلسلات.
وتقول سيما وهي طالبة جامعية سورية: "كنت ابدأ بمتابعة المسلسلات ابتداء من الساعة السادسة بعد الإفطار واستمر حتى الثانية عشرة ليلا, وكنت خلال فترة الإعلانات انتقل من مسلسل إلى آخر".
لكن عبد وهو عامل يقول: "ليس لدي وقت كثير للمتابعة لكنني كنت أتابع مسلسلا واحدا بعد الإفطار ولمدة محدودة".
ورغم المتابعة الواسعة فقد كان لهؤلاء المشاهدين أذواقهم المختلفة, فهم ابتعدوا عن المسلسلات التاريخية ليزدادوا اقترابا من المسلسلات الاجتماعية والكوميدية حيث تشير حنان، وهي موظفة، إلى نوعية المسلسلات التي تابعتها: هنالك الكثير من المسلسلات التي واظبت على متابعتها مثل "المارقون", و"حدائق الشيطان" وعلى طول الأيام.
أما رنا، وهي ربة، منزل فتقول: كنت أتابع "الانتظار", "الوزير وسعادة حرمه", "مرايا", "باب الحارة", "صدى الروح", "حدائق الشيطان", "سندريلا" وملاحظتي هي أنها كلها مسلسلات متشابهة ومن الصعب التفريق بين الأسماء والممثلين بعدة قصص فحتى القصص كانت تتشابه سواء كانت اجتماعية أم كوميدية".
أما عبد فكان يتابع مسلسل "باب الحارة" و "مرايا 2006 " فهي (حلوة كتير كتير) على حد قوله.
بينما تقول رنا: كنت أتابع المسلسلات الكوميدية فهي لطيفة وخفيفة على المشاهد لأننا نحتاج إلى القليل من الترفيه عن النفس وكذلك المسلسلات الاجتماعية.
هذه الرغبات دفعت ببعض الكتاب إلى مسايرة المزاج العام وكتابة أعمال تتناسب مع هذا المزاج.
ويقول الكاتب حسن م يوسف صاحب مسلسل "أخوة التراب" و "نهاية رجل شجاع" و"المارقون": أنا معني بالتواصل مع الناس الذين أعيش معهم وأنا بطبعي أريد أن أكون مفيدا فعندما أقوم بأي عمل وقبل أن يكون العمل جميلا أسعى لأن يكون مفيدا.
ويضيف حسن م يوسف: سابقا كان المشاهد ملزما بأن يتلقى من شاشة أو قناة واحدة, الآن لدينا أكثر من 250 محطة فضائية مما جعل التلقي الدرامي يزداد زيادة كبيرة".
ورغم الانتقادات التي توجه إلى الدراما السورية ومسلسلاتها فإنها مازالت منافسا قويا على الساحة الفنية العربية كما تقول نورمان اسعد: لا شك انه بعد هذه الفترة الطويلة من الإنتاجات الضخمة للأعمال السورية فقد أثبتت الدراما السورية جدارتها و هذا أمر لا يمكن نكرانه من أية جهة , فقد أكدت الدراما السورية أنها منافس حقيقي على الساحة الفنية العربية و لا يمكن الاستهانة بها.
ورغم ما قيل وما سيقال فقد أصبحت المسلسلات الدرامية طقسا اجتماعيا لا غنى عنه في رمضان وطقسا اقتصاديا تحيا من خلاله المؤسسات الفنية على طول العالم العربي وعرضه ومع تناولها للمواضيع الحساسة وتجاوزها للعديد من الخطوط الحمر فقد أصبحت بنظر البعض تحمل خطابا تنويريا لا يستهان به على صعيد المجتمعات العربية.